جلال الدين السيوطي

483

تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب

وأجلب عليهم بخيله ورجله ، وتلقّى الراية باليمين ، وحوى الغاية بالهزيل والسمين . وكان ببلده يتسوّغ بالعفاف ، ويتبلّغ بالكفاف إلى أن وصلت إليه ، وصحّح الروض الأنف بين يديه ، فطلعت به إلى حضرة مراكش ، فأوقعت الحضرة عليه ، فبذلوا له من نعمتهم ، وكان وصوله إلى الحضرة والعمر قد عشا وذبل عوده وذهب العيش وأفل سعوده ، فعند ما عاش مات ، وهيهات من الانقطاع لغير الله هيهات ، وكان مقامه بالحضرة نحوا من ثلاثة أعوام . سألته عن مولده ، فأخبرني أنّه ولد سنة ثمان وخمسمائة . وتوفي بحضرة مراكش يوم الخميس السادس والعشرين من شعبان عام أحد وثمانين . قرأت عليه وسمعت كثيرا من أماليه التي أملاها في معاني الكتاب العزيز ودقائق النحو والأصول ، وأملى علينا كتاب التعريف والإعلام ، وكتاب نتائج الفكر ، وسمعت عليه مسألة رؤية الله تعالى في المنام ورؤية النبي ( صلّى اللّه عليه وسلم ) وكلامه في حديث الأمة السوداء كيف سألها عن الأينيّة حيث قال : أين الله ؟ ولم يسألها عن إثبات إله ، فيقول لها : من الربّ ؟ وأملى عليّ السرّ في عور الرجال ، وتفسير قول النبي ( صلّى اللّه عليه وسلم ) : « قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن » ، وكلامه في قوله تعالى : وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [ سورة الأنعام ، الآية : 38 ] وكلامه في قوله تعالى : يَتَفَيَّؤُا ظِلالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمائِلِ [ سورة النحل ، الآية : 48 ] وكلامه على سُبْحانَ اللَّهِ * بإعرابها وشرحها ، إلى غير ذلك من مسائله في فنون العلم والنثر والنظم . وأجاز لي ولأخي الحافظ أبي عمرو جميع مروياته ومسموعاته ومجموعاته ، وسمعت عليه كتاب الروض الأنف ، وأنشدني القصيد الذي صنّفه فيه الذي من أوّله : من سرّه أن يشيم الطرف من شرف * في روضة جمّة الأزهار والطّرف فناظر القلب أولى أن ينزّهه * من المعارف وسط روضة الأنف فقد ألاحت لذي لبّ أزاهرها * وقد دعت لجناها كفّ مقتطف